|
ابدأ مقالي هذا عن العلاقة مابين الشعبيين العراقي والاحوازي
اسمحوا لي أن أستخدم عبارة (الشعبين) من قبيل المجاز تماشياً مع مقتضيات الواقع أولاً، وثانياً لأن المقام هو البحث في علاقة يقتضي فيها وجود طرفين تفصل بينهما مسافة تضيق أو تتسع في ثنائية أخذت ملامحها من ظروف تاريخية فصلت -ولو بشكل جزئي- الأمة العربية عن تاريخها وحضارتها التي سادت قروناً وأفلت عقوداً ممتدة حتى إشعار آخر.
وتأسيساً على ماسبق فإني أناقش هنا الاستثناء في هذه العلاقة وليس القاعدة التي لا تستقيم معها الثنائية.
وعليه فإن الشعب الأحوازي الذي عزّت عليه الأخوّة العربية بما رحبت لم يقصى من الحضن العربي عنوةً فقط بل غيب عن الذاكرة العربية طوعاً، ولم يجد من يقف معه في محنته التي أتت على مقدّراته وثرواته وهددت ولازالت تهدد هويته العربية تحت الاحتلال الفارسي العنصري..لم يجد إلا العراق شعباً وقيادةً يضمدون جراحه ويشدون من أزره، ويمدونه بمفردات الصمود، ويرسمون معه ملامح الأمل في الوقت الذي عزّ فيه الأخ قبل الصديق. فالأحوازيون لم يتوقعوا غير ذلك من العراق شعباً وقيادةً. فالشعب العراقي أثبت إخلاصه لامتداده القومي والثقافي والاجتماعي شرقاً كما كان دائماً مع القضايا العربية، والقيادة العراقية التي كانت نتاج هذا الشعب التي استهدفت منذ عام 1979 لأنها كانت صوتاً عربياً مشبعاً بإرث التاريخ المجيد ومثقلاً بهموم الواقع الأليم...أخذت هذه القيادة على عاتقها مهمة بعث الروح في أمة الرسالة الخالدة باستثمار تراثها الحضاري وقيمها الروحية وقدراتها الاقتصادية، ما يعني تهديداً صريحا لقوى الشر التي سادت العالم بقيمها المادية الفاسدة. لهذا حيكت مؤامرات تلو المؤامرات لإيقاف الأمل الذي بدأ يشع من أرض الرافدين، تعددت محاور التآمر للنيل من العراق وما يمثله ومن الأمة العربية عبره... الغرب بأطماعه التاريخية المتجددة،إسرائيل وإيران بأحقادهما العنصرية والطائفية..التقت أضلاع ثالوث الشر لتصب جام حقدها حمماً على العراق العظيم وشعبه الباسل، دمر العراق وسالت الدماء فيه أنهاراً لاجتثاث قيم العزة والكرامة منه ولكن هيهات لهم من ذلك، وعلت على ركام الدمار منذ عام 2003 صورة لا تشبه العراق في شئ.. صورة مشوهة لصورة من أتى بها ولكن -بهامة هذا الشعب -مآلها للزوال، وإلى ذلك فإننا نقدر للشعب العراقي الأصيل بقيمه العربية وقفته مع شقيقه الأحوازي منذ نكبة الاحتلال الفارسي البغيض وسيظل كذلك بالرغم من ظروفه القاهرة - حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. والأيام دول بين قوى الشر والخير.
هذا ديدن العراق في دعم القضايا العربية، وكل القضايا ذات البعد الإنساني في هذا العالم الذي ينضح ظلماً، ومساندته للقضية الفلسطينية كانت في سلم أولوياته القومية باعتبارها القضية المركزية التي لها امتداداتها الدولية، وتأثيراتها الانعكاسية على الأوضاع السياسية في المنطقة. ولدور العراق المفصلي في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي تكالبت علية الدوائر الإمبريالية صاحبة المصلحة في هذا الصراع، بل وإمتد دور القيادة العراقية في دعم القضايا الإنسانية على امتداد نطاق الظلم في عالمنا الذي أصبح الظلم أهم سماته... فكان دعمه ومساندته للثورة الإريترية حتى ظفرت بالنصر وحققت حلم الاستقلال لشعبها. هذا هو العراق العظيم الذي مارس دوره الطليعي في قيادة الأمة العربية في أصعب مراحلها التاريخية نحو الإنعتاق بقياد بقيادة شهيد الأمة البطل صدام حسين.
ومن المفيد هنا أن نذكر بعض الإنجازات المضيئة في التاريخ الأحوازي التي كان للعراق أرضاً وشعباً وقيادةً دوراً في بذرها ورعايتها حتى بدت كخطوات واثقة على درب الحرية.
عند ما يذكر الدعم تدور في أذهان البعض الدعم المادي والعسكري والسياسي فقط، إلا أن القيادة العراقية أدركت ما هو أهم من ذلك كمقدمة فعملت على دعم البنية التحتية وذلك بتأهيل الكادر الأحوازي في جميع المجالات بتوفير المنح الدراسية للدراسة في الجامعات والمعاهد العراقية والدورات التأهيلية، فرأينا الطبيب والمهندس والإداري والفني والمفكر والأديب والفنان والمقاتل البطل.... من أبناء الأحواز كمقدمة وأساس متين للتصدي لمشروع النضال الوطني، وكانت الخطوة تتلوها خطوات إلى أن تم الإعلان عن قيام الجبهة العربية لتحرير الأحواز ومؤسساتها كحركة تحرر تمتلك مقومات الاستمرار والتطور. ومن أهم ركائزها
1- جيش تحرير الأحواز بعناصره النوعية، وقواته الخاصة التي خضعت لأساليب التدريب المتطور على يد أمهر عناصر الجيش العراقي الباسل، وكانت لهذا الجيش صولات وجولات ضد العدو الفارسي في ملحمة قادسية صدام المجيدة حيث أبلى بلاءً حسناً مع الجيش العراقي حتى الظفر بالنصر. وتوسع النشاط ليتوغل داخل الأحواز المحتلة بتنظيمات سرية تنشط بين المواطنين، ومن العمليات النوعية التي كان لها صدا عالمي واسع عملية شهداء السفارة التي أعد لها تدريباً وتنفيذاً العناصر الأحوازية التي تأهلت في العراق.
2- المنظمات الجماهيرية
أ- الإتحاد العام لطلبة وشباب الأحواز الذي نشط على الساحة الدولية حاملاً مأساة وطنه وهموم شعبه. وهو عضو دائم في إتحاد الشباب العربي وعضو عامل ومؤسس في منظمة طلبة وشباب عدم الانحياز (ناسيو)
ب- إتحاد نساء الأحواز الذي نشط في الشؤون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء وتنمية قدرات المرأة وتثقيفها، بالإضافة إلى دوره في التعريف بالقضية الأحوازية عبر المؤتمرات النسوية التي شارك فيها.
وتوسعت القاعدة في عدة إتجاهات لتنسج أملاً بخطوات واثقة.هذا بجانب خلق كادر سياسي مؤهل قادر على قيادة المسيرة.
نستعرض هذه الأمثلة كنماذج فقط إذ ليس بمقدورنا الإحاطة بالدور العراقي ومواقفه في دعم القضية الأحوازية في هذه السطور.
فما تشهده الجبهة من تراجع في مسيرتها الآن فهذا شأنها... تداخلت فيه عوامل ذاتية بالموضوعية... لسنا هنا بصدد البحث عن مبررات لهذا التراجع ولكن يمكن إجمال الأسباب في الفقد الكبير لدور العراق أرضاً وشعباً، حضناً ومنطلقاً في المقام الأول، ويأتي بعد ذلك ضعف قيادة الجبهة التي لم تكن بمستوى مهام مرحلة ما بعد احتلال بغداد وتنامي النفوذ الإيراني في العراق، وبروزها كقوة إقليمية حسب المخطط الموضوع لها في أجندة ثالوث الشر. فقولنا هذا لا يعني أننا فقدنا الأمل في استعادة الثقة في أنفسنا واستعادة زمام المبادرة والسير على النهج الذي من أجله وجدت هذه الجبهة فذلك متاح متى أخلصنا النية وتمسكنا بأهدافنا، وأخذنا بأسباب القوة،وجددنا وسائلنا حسب مقتضيات المرحلة. وبما أن الشئ بالشئ يذكر أحب أن أتطرق إلى ما يحلو للبعض ترديده حول فشل الجبهة ونجاحها بإقحامها في مقارنة غير عادلة مع حركة (مجاهدي خلق) الإيرانية، في ظل الدعم الاستثنائي الذي كانا يحصلان عليه من القيادة العراقية. إذا كانت المقارنة تعني تقيم قدرات كل منهما في إدارة الصراع مع العدو فإن الإنصاف يقتضي معرفة طبيعة كل منهما حتى تستقيم المقارنة. فحركة مجاهدي خلق حركة سياسية معارضة مارست النشاط في ظل الدولة الفارسية فهي جزء منها، تؤمن تمام الإيمان بوحدة الأرض الإيرانية بما في ذلك الأحواز وباقي مناطق القوميات الأخرى، فخلافها مع النظام الحاكم في إيران لا يعدو كونه نزاع على السلطة على خلفية صراع أيديولوجي، ما أمًن لهذه الحركة تعدد مصادر الدعم لها ووسع نطاق نشاطها دولياً وإقليمياً، فضلاً عن أن هذه الحركة كانت تتمتع بهيكل تنظيمي مكتمل قبل أن تسمح لها القيادة العراقية ممارسة نشاطها انطلاقا من العراق. بينما الجبهة العربية لتحرير الأحواز مع التنظيمات الأحوازية الأخرى تعتبر حركة تحرر تسعي إلى تحقيق الاستقلال لشعبها أو بتصنيف آخر - حسب الوصف الشائع دولياً لحركات التحرر في العالم - هي حركة انفصالية تسعى للانفصال من الدولة الإيرانية، وكثيراً ما تقابل مثل هذه الحركات بالرفض بحجة الحفاظ على الكيانات السياسية الموروثة من مرحلة الاستعمار الغربي، فالثورة الأحوازية - والجبهة العربية منها- لا تسعى لمكاسب سياسية مفقودة ضمن الدولة الإيرانية، بقدر ما تسعي إلى إعادة الحق المغتصب بتآمر وتواطؤ المستعمر الغربي، لذلك مساحة حركتها ضيقة ومصادر دعمها محدودة بل باتت معدومة بعد احتلال بغداد، فالحسابات السياسية بين دول الإقليم ومكانته إيران فيها جعلت الدول العربية تصم أذانها عن صرخات الشعب العربي الأحوازي وعليه فإن المقارنة غير متكافئة والحكم بمقتضاها غير منصف.
كان العراق وسيظل الامتداد الطبيعي للشعب الأحوازي،
فعليه فإن هذه العلاقة بين الشعبين العراقي والأحوازي أكبر من تقلبات أمزجة نفر من الناس ولمصالحهم المتغيرة، أو لحوادث طارئة ولعوارض لا تلبث أن تزول، بل هي من الثوابت الدائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
كمال عبد الكريم
رئيس الاتحاد العام لطلبة وشباب الاحواز/فرع السويد
28 نيسان 2010 |