إن المناسبات الوطنية تتمتع بأهمية بالغة عند الشعوب، لما لها من تأثير على أفكار و رؤى الإنسان، فهي تساهم في تكوين هويته و صياغة شخصيته. دأبت الدول و المؤسسات و شخصيات اعتبارية أخرى، لانتقاء بعض الأيام و تصنيفها ضمن الأيام الوطنية و من ثم الاحتفال بها و إحياءها و تخليدها، تتذكر من خلالها الماضي و تستحضره لتقرأ الحاضر و تحلله حتى تصيغ مستقبلا يتلاءم مع تطلعات و طموحات شعوبها.
فمن خلال توظيف هذه الاحتفالات و المهرجانات تؤثر على شخصية الإنسان و على أفكاره و تسيّره نحو الهدف المنشود.
الشعب العربي الأحوازي و بمجهود طلائعه دأب و تمكن من انتقاء بعض الأيام التي تعتبر مفصلية و مهمة في التاريخ السياسي الأحوازي و صنفها ضمن المناسبات الوطنية و توّجت هذه المناسبات الوطنية، بمناسبة عظيمة ألا وهي ذكرى الاحتلال الفارسي للأحواز في العشرين من نيسان عام 1925 م . فهذا تاريخ له أهمية استثنائية عند كل إنسان أحوازي بصير.
فرغم التجاهل و النسيان النسبي لهذا اليوم، فالأهمية التي يتمتع بها تبقى كامنة في أعماقه، لأن هذا اليوم يُعتبر يوما مفصليا و تاريخيا في حياة الشعب العربي الأحوازي، حيث فيه انتهت السيادة العربية على الضفة الشرقية من الخليج العربي أي بلاد الأحواز بعد ما كانت السيادة العربية قائمة عليها و احتلت الأحواز من قبل العدو الفارسي . بعد هذا التاريخ بدأت الويلات و المآسي ضد الأحوازيين و لم يقف التأثير السلبي عند الخارطة الأحوازية فقط و إنما تجازوها ليصل إلى الكثير من الدول العربية و الواقع الحالي يثبت هذا القول. الدولة الفارسية بعد احتلالها للأحواز مارست شتى الأساليب الخبيثة ضد الأحوازيين لقمعهم و صهرهم و استئصالهم من الوجود خدمة للعنصر الفارسي. و هذه الأساليب يمكن لمسها من خلال سياسة التجويع و قطع الأرزاق و التجهيل و التهجير الجماعي و التوطين و سلب الأراضي و تجفيف الأنهر و الاعتقالات التعسفية و الإعدامات الجماعية و في قمة هذه السياسات اللاإنسانية الغزو الثقافي الموجه ضد الأحوازيين.
هذا جانب قليل من المأساة و المعاناة التي يعانيها الشعب العربي الأحوازي أمام مسمع و مرأى العالم. و لكن رغم هذه الصفحة السوداوية التي تصبغ القضية الأحوازية، تبقى الآمال و الطموحات قائمة. بعد مرور ستة و ثمانين عاما على الاحتلال الفارسي للأحواز و الشعب العربي مازال مستمرا بمقاومته للاحتلال بشتى الطرق و الوسائل. و قضيته أصبحت تتبلور يوما بعد يوم و تكتمل ملامحها و تأخذ بعدها الحقيقي في الوطن العربي و العالم الخارجي و هذا ما يحشر الدولة الفارسية في زاوية ضيقة في الآتي.
إن الاحتلال و ذكرى هذا اليوم تتمتع بأهمية بالغة الحساسية تفوق جميع الاعتبارات لأنها تؤثر على تكوين شخصية الإنسان الأحوازي و على هويته. توجد علاقة طردية بين فهم هذا اليوم و الاهتمام و الشعور به، و الاستمرار بالمقاومة و التمسك بحق الشعب العربي الأحوازي بالتحرير و الانعتاق من العبودية الفارسية. فهذه الأهمية تلزم التنظيمات و المؤسسات الأحوازية أن تعي مسؤوليتها تجاه هذا اليوم لتخليده بأفضل طريقة ممكنة و إعطائه الاهتمام اللازم و المطلوب و الابتعاد عن إهماله و تهميشه لصالح مناسبات وطنية أخرى عزيزة علينا و لكنها أقل منه تأثيرا على حياة الشعب العربي الأحوازي و القضية الأحوازية. فهذا اليوم – ذكرى الاحتلال - من المُفترض أن يُغرس في نفوس أبناء الأحواز حتى و إن تحررت الأحواز من الاحتلال الفارسي. و تبقى ذكرى الاحتلال في قمة الأيام الوطنية لأن هذه الأيام الوطنية تعتبر نتائج لهذا اليوم. و هذا الأخير يعد العلة و السبب لوجود الأيام الأخرى. فذكرى هذا اليوم و تخليده تساعد في تنقية هوية المواطن الأحوازي من شوائب الاحتلال و مخلفاته، و تساهم في تنشئة جيل يدعم تحرير الأحواز و يدعم عروبته.
يرى الإنسان المراقب إن ذكرى انتفاضة نيسان المجيدة أخذت مكانة توازي أو أعلى من مكانة ذكرى الاحتلال الفارسي للأحواز في العقل الجماعي الأحوازي. و هذا يثير الخشية من المستقبل في حال استمر الوضع على هذا المنوال، ستهمل ذكرى الاحتلال الفارسي لصالح هذه المناسبة أو مناسبات وطنية أخرى. و هذا العمل له تأثير قد يكون سلبيا على عقلية الإنسان الأحوازي و أفكاره على المدى البعيد.
لذلك من المفترض أن تتنبه التنظيمات و المؤسسات الأحوازية إلى هذا الانحراف الجزئي و تقويمه قبل أن يأخذ منحى خاطئا. و حتى تستطيع أن تستثمر هاتين المناسبتين، ذكرى الاحتلال و ذكرى انتفاضة نيسان المجيدة بطريقة مثلى يجب أن تعطى كل مناسبة حقها الكامل دون الاهتمام بمناسبة على حساب أخرى.